المنجي بوسنينة
75
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
والقصد أنه صار مرجع بلاده وعمدتهم في جميع أحوالهم وشؤونهم ، فهو مدرّس الطلاب ، وواعظ العامّة ، وإمام الجامع وخطيبه ، ومفتي البلاد ، وكاتب الوثائق ، ومحرر الأوقاف والوصايا ، وعاقد الأنكحة ومستشارهم في كل ما يهمهم . ويقول عنه المؤرخ عبد الرحمان بن عبد اللطيف آل الشيخ في كتابه « مشاهير علماء نجد وغيرهم » : « في عام 1350 ه انتهت إليه المعرفة التّامة ، ورئاسة العلم في القصيم ، فاشتهر علمه ، وارتفع قدره ، فاقبل عليه أهل ناحية القصيم للقراءة ، وتلقّى العلوم والمعارف عنه » ، وبمثل هذا ، قال أحد تلاميذه الذي ترجم له في كتاب « المختارات الجليّة ، من الفتاوى السعدية » . أمّا تلميذه محمد بن عثمان القاضي فقال عنه في كتابه « روضة الناظرين » : « في عام 1351 ه انتهى التدريس إليه ، وكان يميل في فتاويه ومؤلفاته وتدريسه ، إلى اختيارات ابن تيمية وابن القيم ، وينصح تلاميذه على مطالعتها ، والتّضلع منها ، وربما خرج عنها إذا قوي عنده الدليل ، فهو يجعل مذهب الإمام أحمد أساسا له ، فيما لم يترجح عنده دليل بخلافه ، فإذا ترجّح لديه الدليل تابع الدليل ، وكان يفتي تارة شفويا ، وتارة تفد إليه الرسائل فيجاوب عليها كتابيا . وبالجملة فقد كرّس حياته للنفع تعلّما وإفتاء وتأليفا » . والشيخ عبد الرحمان بن سعدي ، واحد من علماء الإسلام ، الذين اهتموا بالعلم أخذا ، وبأداء أمانته بذلا وتعليما . فكان يدرس نفسيات تلاميذه ، ويقيس مداركهم ، فيحرص على المداخل ، التي تزيل الفوارق بين الطالب والمعلم ، ويلتمس ما يزيد الطالب ثقة بنفسه ، ويقوّي صلته بمعلمه ، وبهذا تبرز مواهب الأذكياء ، وتشرئب نفوسهم إلى المزيد من المعرفة ، باشتياق وارتياح ، ومما برز فيه تجديدا في أسلوب التّعليم ما يلي : - تبسّطه مع تلاميذه : حديثا وتعليما ، ومشاركة في الرأي . - استشارته لتلاميذه فيما يقرؤون به ، كلّما انتهى من كتاب إلى كتاب . - حسمه الرأي إذا رأى منهم اختلافا ، ليكون رأيه الحكم ، أما إذا اتّفقوا أو بالأكثرية على كتاب بعينه ، فإنه يميل لما يميلون إليه . - ومن محاسنه في التعليم : إتيانه بالمسائل العلمية بدلائلها . - أما إذا رأى للنظائر مجالا للاستطراد ، فإنه يتوسع بفصاحة وبلاغة بديهية . - كما كان له طريقة متميزة في جذب أنظار الطلبة إليه ، وشحذ قرائحهم حتى يتابعوا ويتعمقوا ، حيث يطرح المسائل على الطلبة ليختبر أذهانهم ، ويتعمد أحيانا تغليط نفسه ، في حلقة التدريس ، ليرى من هو الحاضر ذهنا لتقديره ، ومن هو الشارد ذهنا لتنبيهه ، ولمعرفة النّجيب والفطن من ضده . وقد أدرك منه تلاميذه هذا المنهج ، فكانوا يتفاعلون معه ، ويحسبون لكل موقف حسابه . وإذا تعرض لأي فن ليخوض فيه ، مع طلابه فإنه يهتم بإيراد الأدلة ويجمع بينها ويورد أدلة المعارضين ، للرأي ، ثم يعمل نفسه حكما بين